محمد جمال الدين القاسمي

269

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

التشديد والمبالغة في الزجر عن القتل . فهو كما روي عن سفيان بن عيينة أنه قال : إن لم يقتل يقال له : لا توبة لك . وإن قتل ثم ندم وجاء تائبا يقال له : لك توبة . وقيل : إنه قد روي عن ابن عباس مثله . وروي عنه أيضا أن توبته تقبل . وهو قول أهل السنة . ويدل عليه الكتاب والسنة . أما الكتاب فقوله تعالى : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى [ طه : 82 ] . وقوله : إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [ الزمر : 53 ] . وأما السنة فما روي عن جابر بن عبد اللّه قال : جاء أعرابيّ إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . فقال : يا رسول اللّه ! ما الموجبتان ؟ قال : من مات لا يشرك باللّه شيئا دخل الجنة . ومن مات يشرك به شيئا دخل النار . أخرجه مسلم « 1 » . وروى الشيخان عن عبادة بن الصامت قال « 2 » : كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مجلس فقال : تبايعوني على أن لا تشركوا باللّه شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم اللّه إلا بالحق . وفي رواية : ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني في معروف . فمن وفي منكم فأجره على اللّه . ومن أصاب من ذلك فستره اللّه عليه فأمره إلى اللّه ، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه . فبايعناه على ذلك . انتهى . وقال العلامة أبو السعود : تمسّكت الخوارج والمعتزلة بها في خلود من قتل المؤمن عمدا في النار . ولا متمسّك لهم فيها . لا لما قيل من أنها في حق المستحل ، كما هو رأي عكرمة وأضرابه . بدليل أنها نزلت في مقيس بن صبابة الكنانيّ المرتد . فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . بل لأن المراد بالخلود هو المكث الطويل لا الدوام . لتظاهر النصوص الناطقة بأن عصاة المؤمنين لا يدوم عذابهم . وما روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما : أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدا . وكذا ما روي عن سفيان : أن أهل العلم كانوا إذا سئلوا قالوا : لا توبة له - محمول على الاقتداء بسنة اللّه تعالى في التشديد والتغليظ . وعليه يحمل ما روي عن أنس رضي اللّه تعالى عنه : أن النبيّ عليه الصلاة والسلام قال : أبى اللّه أن يجعل لقاتل المؤمن توبة . وقال عون بن عبد اللّه وبكر بن عبد اللّه وأبو صالح : المعنى هو جزاؤه إن

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الإيمان ، حديث 151 . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : الإيمان ، 11 - باب حدثنا أبو اليمان ، حديث 18 . ومسلم في : الحدود ، حديث 41 .